:: عودة إلي السابقة ::

تاريـخ

ملامح من المجتمع السوداني في العهد السناري (1505ـ1821)

مدخل :ـ                                       

من مسلمات الفكر السياسي أن الإنسان بفطرته تواق للانتماء ،وأنه بطبعه ميال للاجتماع مجبول عليه ، وذلك ليس فقط ضماناً لقوته وحماية  لحياته وإشباعا  لمختلف حاجاته ،بل أيضاً تنمية لمواهبه وملكاته وتحقيقاً لإنسانيته وذاته . فالإنسان مدني بطبعة ،لابد له من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم  وهو معني العمران . 

وبطبيعة الحال  فأن علم الاجتماع يتهم بما يحدث  عندما يقابل إنساناً أو عندما يشكل الناس جموعاً أو جماعات أو عندما يتعاونون  أو يقتتلون أو يتحكم بعضهم في بعض أو يتحالف بعضهم ضد البعض الأخر أو يطورون الثقافة أو يقوضونها.إن وحدة الدراسات السوسيولوجي ليست علي الإطلاق فرداً واحداً ،ولكنها تتمثل علي الأقل في فردين ـ يكونان معا علاقة بشكل ما.

كذلك فإن الباحث في مجال المجتمع الإنساني لايمكنه أن يتجاهل الثقافة .فالثقافة تتخلل كل جزء من أجزاء حياة الإنسان الاجتماعية ،وتزحف علي كل نشاط  يقوم به وكل تفكير يخطر له ، وكل سلوك يقوم به . ومن أجل هذا ذهب الكثيرون من علماء الاجتماع إلي القول بأن دراسة المجتمع تتضمن دراسة الثقافة ، مهما كان الجانب الذي يدرس في المجتمع.

والحقيقة أن علم الاجتماع لا يدرس العقل في ذاته لكنه يهتم بالنتائج المتراكمة والمجتمعة عند استخدام العقل وممارسه.

التركيب الاجتماعي :ــ

كان المجتمع السوداني قبل الفتح التركي ـ المصري مجتمعاً مغلقاً  وحسب مايكمل لاشيء يعرف علي وجه الدقة عن ما كان يجري فيما يعرف الأن بأرض المليون ميل مربع (السودان 1956- ) قبل الغزو التركي ــ المصري في عام 1821م .وفي القطاع الصحراوي العريض الممتد عبر السودان من أثيوبيا وحتي الاستوائية كان يوجد منذ القرن السادس عشر عدة ممالك صغيره أهمها دارفور وكردفان وسنار . أما في مستنقعات وأحراش الجنوب فلا شي يعرف سوي ما كتبه علماء الأجناس .3 إن العوامل التي أنتجت السودان الحديث والمقاومات التي أسهمت في بناء المجتمع السوداني وتعميق المحتوي الفكري لانتمائه وتأكيد شخصيته القومية ،لم تكن كلها وليدة التاريخ  الإسلامي والعربي كما هو في الحال في كثير من البلاد العربية .  فالسودان مع ارتباط جل أبنائة ارتباطاً وثيقاً بالأمة العربية الإسلامية ، فأنه مرتبط أيضاً بتيار الكيان الإفريقي موطناً وعرقاً . فالسودان شعب هجين لم تكتمل له عناصر الوحدة الوطنية والتجانس العرقي في كل أجزائه. وهو بصورته الراهنة محصلة عوامل  حضارية كثير ، فجل أبنائه مسلمون ديناً وعرب ثقافة وأسلوب حياة  وهجين أفارقة تكويناً ووجوداً . وقد ساعد تفرد البلاد في السعة وتباين بيئاتها بين الصحراء ألكبري والغابات الاستوائية علي تأثير ها بهجرات بشرية  متعددة وتيارات  ثقافية وحضارية متباينة ونتيجة لتفاعل هذه المؤثرات  مع الموروثات الوطنية تبلورت شخصية السودان.

وبقيام مملكة الفونج – والتي عرفت بالسلطنة الزرقاء – في عام 1505 يبدأ الميلاد الحقيقي لغلبة الثقافة العربية الإسلامية . ففي سلطنة الفونج الإسلامية التي أنشأها عمارها عمارة دنقس تمازج العنصران العربي والسوداني الأفريقي وتكاملاً ثقافياً في بوتقية الحضارة الإسلامية . وقد اتسم انتشار الإسلام بالتدرج ، فقد دخل العرب المسلمون مزودين بالقيم الإسلامية واختلطوا بالسكان الوطنيين مصاهرة ، ثم توالدوا معهم وتغيرت طبيعة المجتمع لشعب تغلب علية العقيدة الإسلامية والثقافية العربية ( من لغة وعادات وتمثل للنسب ) ويحمل في أحشائه كثيراً من السمات الإفريقية ممثلة في سحنته وعاداته وممارسته وفنونه وحسب شقير ، فأن السودان من شعوب مختلفة وقبائل شتي تجمعهم خمسة أصول وهي ( السود – وشبة السود – والبجة –والنوبة والعرب ) ماعدا الأجانب المولودين غير أن المكونات الثقافية  التي أنجبت هذا الهجين واحد الجوهر وهي الدين الإسلامي – الثقافة العربية والتلاقح بين والعرب والوطنيين .

كان أول مظهر للتكوينات القبلية لم تظهر فجأه بل مرت بمراحل متعددة من النماء والتفكك والتحالف والاندماج بين العرب أنفسهم من جهة وبين الشعوب التي خالطوها السكن حتى كبر حجمها وعظم قدرها .

هذا ويقسم المؤرخون عرب السودان الى مجموعتين كبيرتين :

إحداهما المجموعة العدنانية في التقسيم العربي التقليدي ، وهذه المجموعة تمثل القسم الأكبر من سكان السودان الشمالي ويعيشون في الأقاليم النهرية التي تشتمل على المراكز الرئيسية للحياة بمختلف مظاهرها . ومنها القبائل النهرية وأهمها الشيقية والميرفاب والرباطاب والمناصير والجعلية والجوابرة والركابية والجموعية والجمع . ومنها قبائل مقسمة بين النهر وكردفان وأهمها البديرية ، ومنها قبائل تبعد عن النهر وأهمها الجوامعة والغديات والبطاحين.

والثانية المجموعة الجهنية ، وهي تقابل قحطان أو عرب الجنوب في التقسيم العرب القديم، وهم يسكنون في مواطن متفرقة من السودان تمتد من الشرق إلي الغرب. ومنهم من سكنوا في النصف الشرقي من السودان في أقاليم النيل الأزرق والبطانة كرفاعة والشكرية ومنهم من يعيشون في الجهات الشرقية والوسطي من كردفان مثل مجموعة فزارة – دار جرار – الزيادية – البزعه – الشنابلة والنعاليا . ومنهم من انتشروا في كردفان ودار فور مثل البقارة والمحاميد والكبابيش والحمره .

ولعل أثر المجموعة الجعلية في نشر الثقافة الإسلامية في خلال العصور الوسطي كامن أقوى وأشد بالرغم من ان عدد المجموعة الجهينية أكثر وأوفر . ذلك أن المجموعة الجعلية تكون السواد الأعظم من المتعلمين في السودان إلي اليوم . ثم أن الجهينية قد ظلوا علي بداوتهم ولم يمتزجوا كثيراً بالسكان الأصليين ، واحتفظوا بوحدتهم وتبعيتهم للقبيلة . وأما الجعليون فقد اختلطوا اختلاطاً شديداً بالسكان السابقين لهم الذين كانوا مستقرين ويمثلون جماعات مختلفة من الناس . وقد شاركت هذه المجموعة – بحكم موقهم – مصر في المدينة والثقافة .

وقد حافظ أهلها علي لغتهم وأسس مجتمعهم وتقاليدهم . وحسب بيركهارد ـ يحرص عرب الميرفاب حرص غيرهم من القبائل العربية في هذه الأجزاء من أفريقيا علي حفظ سلالتهم  نقية خالصة . ولن تجد رجلاً من أحرارهم يتزوج بجارية من الحبش كانت أو من الزنوج ،فهو لا يرضي بغير عربية من قبيلته أو قبيلة مجاورة . أضف إلي ذلك أن الجعليين معظمهم  قد اشتقلوا في الزراعة والتجاره.  وقد أدي ازدهار التجارة بالترويج إلي اندثار التقافة المحلية لبعض القري نتيجة لهجرة مجموعات قبيلة للعمل في بعض النشاطات  الحرفية التي أوجدها النشاط التجاري . ومثل هذه القري تحولت من مجتمعات زراعية إلي مدن تعتمد  اقتصادياتها  علي النشاط التجاري  والسوق. وتحددت فيها علاقات قانونية  بين المشتري والبائع وتطورة القبلية من الأبوية المطلقة إلي مرحلة السلطة المنظمة لأدارة وحماية النشاط التجاري . وشندي خير مثال للقري التي تحولت إلي مدن بفضل نشاط التجاري . يصفها بيركهاردت  قائلاً (تجارة بربر أقل من شندي لأنها لاتتصال اتصال مباشر بغير شندي بأقليم الجنوب . أما شندي فتفد عليها القوافل من كل فج ، ولعلها اليوم أول بلد تجاري  في أفريقيا جنوبي مصر وشرقي دارفور ، وما يباع من رقيق في سوق بربر أوسلع يجلب إليها من شندي ـــ وإن  حكومتها أقوي من حكومة بربر ، فلملكها سلطة مطلقة لا تحد منها عصبية الأسرة القوية التي لاهم لها في هذه البلاد إلا الإخلال بالنظام ). وقد أدي النشاط التجاري أيضاً إلي ربط المدينة بالقري المجاورة  فأخل بتوازن المجتمعات المغلقة وجعلها تفقد الكثير من عصبيتها القديمة وانغلاقها الاقتصادي القائم علي الاقتصاد الاكتفائي المعيشي.. وقد لعبت التجاري الخارجية دوراً فعالاً في السياسة السودانية في عهد مملكة الفونج ،فساهمت في خلق المدن وربط أجزاء المملكة المختلفة وإلي دخول السودان إلي المرحلة التجارية . ولكن الخلافات التي نهشت جسد الدولة بجانب القصور الذاتي للمؤسسات التجارية أدي الي عدم قدرتها علي لعب دور الطبقة التجارية في اوربا والتي تم علي يديها انهيار الإقطاع . وبجانب ذلك فقد ظلت التجارة السودانية تعاني من ضروب شتي من الصعاب ، أهمها انعدام الأمن والحماية بالنسبة للقوافل التجارية . فقد تعرضت تلك القوافل لخطر داهم تمثل في غارات السلب والنهب التي اعتادت بعض القبائل شنها علي الطرق الصحراوية التي ربطت شمال الوادي بجنوبه. هذا بالإضافة للحروب والمنازعات التي أضرت كثير ا بسير الحركة التجارية وهذا ما لاحظه بيركهاردت حيث ذكر ( فليس هنالك  اقل اتصال بين بربر ومقرات وكذالك بين بربر وبلاد الشايقية إلا بوسطة الحجاج السودانيين الذين يسيرون بجوار ضفاف النيل الآهلة بالسكان في طريقهم إلي مصر ، المستعرة بين الشايقية والمماليك في دنقلا تضر بسير التجارة )  وكان لتلك الوحدات القبلية دور كبير في الحياة السياسية في البلاد خاصة وأن السلطنات الإسلامية  لم يكن لها من أجهزة الحكم ما يمكنها من إدارة البلاد دون الاعتماد علي التكوينات المحلية .كما أن تلك السلطنات رغم سيطرتها علي رقعة كبيرة من الأرض كانت تمثل إطاراً إدارياً أشبه بالحكومة الكونفدارلية . وقد ساعدت هذه العوامل علي بناء تلك الوحدات وازدهارها وعلى تمتعها بدرجة من الاستقلال خفف من غلوائه تدخل رجال الطرق الصوفية وفرضهم ولاء أخر فوق الولاء للقبيلة . ويري بعض الباحثين أن ازدهار تلك الوحدات وماصاحبها من عصبية حال دون وجود شعور قومي ينظم البلاد . ويدللون علي ذلك بكثرة المناوشات وفشل الحكومة المركزية في كبح تلك العصبيات .وكانت الحروب لاتنقطع بين القبائل  في داخل الدولة بين سنار وجارتها دارفور ، وبينها وبين اثيوبيا . وكان الشلك يغيرون علي ديارهم ناهبين ومخربين .  كما كانت المجاعات تحتاج البلاد أحيانا فيأكل الناس كل ماتعافه النفس ويموتون بالالاف . كل هذا أضعف قدرتهم علي العمل المثمر .وزادهم فقراً ،وطبع حياتهم بطابع صارم وحببهم في الزهد والانصراف عن الدنيا ،  .وإن حدثنا المؤرخون عن ثروة سنار وما يملأ أسواقها من السلع وخزائن ملوكها من الذهب ، وأطنبوا في هذا الحديث ،فإن مظاهر الفقر كانت بادية علي الناس بصفة عامة ،وأن الحصول علي الطعام لم يكن سهلاً ميسوراً .فالذي يقرأ طبقات ود ضيف الله ويري احتفاءه بالكسرة ،،خبيز بالذره ،، التي يقدمها المشايخ إلي التلاميذ والمريدين  والضيافة وكان إدامها ــ في معظم الأحوال ــ الماء القراح ، الذي يري احتفاءه بوصفها ووصف الماء عليها يعلم أن كانت شيئاً عزيزاً ،ولذلك كانت صفة الكرم من أرفع الصفات وأعظمها . ويؤيد مانقول ماجاء في الخطاب الذي أرسله عمارة دنقس علي خطاب السلطان سليم العثماني الذي بعثه إليه طالباً منه التسليم والدخول في طاعته ، جاء فيه :؛؛إني لا أعلم ما الذي يحملك علي حربي وامتلاك بلادي ، فإن كان لتأييد دين الإسلام فإن أهل مملكتي مسلمون ، نديد بدين الله والرسول (ص)وإن كان لغرض  مادي فأعلم أن أكثر أهل مملكتي عرب بادية هاجروا إلي هذه البلاد في  طلب الرزق  ولاشيء لديهم نجمع منه جزية سنوية -. وبجانب ذلك الفقر وجد المرض ، بيركهاردت ( كان الجدري يفتك بالقوم فتكاً ذريعاً حيثما حل وقد جاءهم خلال مجاعة ( 1814ـــــــ1815 )فكان ضغثاً علي إبالة . وأزداد عدد ضحاياهم زيادة كبيرة ثم انتشر في اعالي النيل طولاً وعرضاً ، وكان يصاب به الكبار والصغار علي السوء ). والتطعيم أو ،،دق الجدري ،، معروف في هذه الأرجاء  لكنهم ضعيفو الثقة في جدواه . يظهر الوبا ،بينهم كل ثمانية أعوام أو عشرة .فاذا أضفنا إلي ذلك جهلهم بالري الصناعي ، سهل علينا أن ندرك السر في تعرضهم للقحط. هذا وقد لعبت طبقة الرقيق دوراً هاماً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية  بالبلاد فبجانب كون الرقيق علي رأس الصادرات أنذأك  ومن أهم الموارد السودانية التي جذبت التجار والمغامرين . فقد كان آساساً من أسس الحياة الاقتصادي والاجتماعية في السودان . إذ لا نجد أي مظهر او النشاط إلا نجد الرقيق يقوم به أو يشارك فيه.وهكذا بقي الرقيق وتغلغل في كيان السودان الاقتصادي ، وصار دعامة  النشاط في حياته اليومية . وحسب عبد العزيز أمين لم يكن في مصر العليا ولا في مصر السفلي بيت لا يعتمد علي خدمة العبيد . وأن حقوق السودان كان تفلح بأيديهم  وأن الحريم في منازل الأغنياء ومتوسطي الحال كان محوطات بالعبيد والأرقاء يقومون بخدمتهن.لم يكن للزوجة الفقيرة مطمع أعظم من أن يكون لها امة .ولهذا كان الجميع يحرص على اقتنائه بشتى الطرق.

     لقد أحضر العرب معهم نوعا من الوحدة لشمال السودان وربطوه برباط رقيق إلي مجتمع واسع ،ورغم أنه قد تم هضمهم عرقياً بواسطة الشعوب المحلية ،إلا أفن لغتهم ودينهم وإلي حد كبير هيكلهم القبلي ،كل ذلك طغى على كل المنطقة مميزاً إياها بشكل واضح عن مملكة الحبشة وعن خليط القبائل الوثنية في الجنوب .لكن برغم هذه الدرجة من التجانس الثقافي التي تحققت في الشمال إلا أن التباين الاكلوجي والفقر والاتساع الشاسع للبلاد ،قد حال دون تطوير وحدة اجتماعية وثقافية .وحتى في الشمال نفسه ،فقد كانت رؤى المزارعين الدناقلة والنوبيين وأسلوب حياتهم في الشريط النهري الضيق تختلف كثيرا عن أصحاب الإبل الراحل من أهل الصحراء أو قبائل البقارة في مناطق السافنا  في كردفان ،بقطعان ماشيتهم الكبيرة وعبيدهم الكثيرين من الزنوج .

     وتشاء الظروف وتكون شبة جفوة بين سكان النيل وأهل الغرب منذ القدم .فأهل النيل بما عرف عنهم من تقدم نوعا ما في المدينة ودراية بالعلم والدين ومعرفة بفنون التجارة يتعالون على أهل الغرب لجلافتهم وكان من الطبيعي .خلال فترة المهدية – أن يرى أهل النيل في البقارة غاصبين ،وهم أحق بالحكم والولاية إذ أنهم أهل علم ومعرفة أولاً وذوي صلة رحم بالمهدي ثانياً .

 الثقافة والتعليم:-

      أنتشر الإسلام في السودان في القرن التاسع الميلادي شهدت البلاد ثقافة جديدة في الشمال ،تلك هي الثقافة العربية الإسلامية .وكان لقيام ممالك إسلامية في سنار ودارفور وكردفان في القرن السابع عشر الميلادي أن شهدت البلاد فترة ازدهرت فيها التجارة والعلاقات الثقافية مع كل من مصر والحجاز .وباستقرار الوضع السياسي في البلاد كثر عدد الوافدين من العلماء ورجال الطرق الصوفية .بتشجيع من الملوك والزعماء وكثر عدد السودانيين ممن نالوا تعليماً رفيعاً خارج البلاد، ومن ثم زاد الاهتمام بنشر التعليم.والحقيقة إن الثقافة السودانية العربية تدين بالفضل للأزهر الشريف ،فقد كان المعهد الإسلامي الأول الذي رحل إليه الطلاب من السودانيين طلباً للعلم منذ أن ظهرت سلطنة دارفور عام 1445م ومملكة الفونج وسنار 1505م .كما أن عدداً غير قليل من علماء السودان ومنذ القرن التاسع الهجري – كان يتلقى العلم في الحرمين فيذهب للحج والمجاورة هنالك ثم يعود للتدريس في مساجد السودان وخلا وته .وكذلك كان يفد بعض العلماء من المغرب وتمبكتو على مملكتي دار فور وسنار في طريقهم إلى الحج ويقيمون في بلاد السودان مدة التدريس ونشر العلم ثم يرتحلون أويستقرون نهائياً .

       وقد وجد التصوف – أو ما يسميه البعض الإسلام الشعبي قبولاً من عامة الناس أكثر من الفقه .بل أن كثيراً من العلماء جمعوا بين علمي الظاهر والباطن وصاروا من أتباع الطرق الصوفية .ولم يقف حب رجال الطرق الصوفية على العامة بل شاركهم في ذلك الملوك.وبهذا التلاقح بين المنهجيين الفقهي والصوفي وضعت النواة الأولى للخصائص  المميزة للثقافة الدينية في السودان .ولعل انتشار القباب والأضرحة وما جاء في طبقات ود ضيف الله خير دليل على هذا التميز علمياً.

       وهكذا كان الفقهاء المتصوفة على أيام دولة الفونج يتمتعون بمكانة روحية عالية أمتثل لهم بموجبها الحكام والسلاطين لإضفاء الشرعية على سلطانهم وأنكب عليهم العامة رجاء قضاء حوائجهم وتفريج كربهم والحصول على بركتهم .

     إن الحديث عن الإسلام الشعبي في السودان يقود بالضرورة للحديث عن الظروف التي أدت إلي تفشي وانتشار هذه الظاهرة في أواسط البلاد ونشوء مدارس وطرق صوفية تعج بالكرامات وخوارق الأفعال وفي التعليل لهذه الظاهرة يقول ترمنجهام :- لقد ساهمت الظروف الاجتماعية والسياسية والفكرية في نمو وازدهار الإسلام لشعبي في السودان .فقد عجز رجال العلم الديني بتعصبهم وانتماءاتهم الضيقة على ملء الفراغ الروحي لدى العامة هذا فضلاً عن الحروب والطغيان السياسي .وقد أورث ذلك في نفوس الناس رغبة وشوقاً إلي حياة هادئة بعيدا عن السياسة والعصبية .أما الشاطر بصيلي فيري أن ظاهرة أصحاب السجاجيد ورفعهم إلي مراتب الكشف عن الغيبيات والإتيان بالمعجزات وخوارق العادات تصور لنا ما كان عليه المجتمع من تدهور في حياته المعيشية ،الأمر الذي دفع أفراده إلي الالتجاء إلي هولاء الرؤساء الروحانيين طلباً للنجدة والغوث في قضاء الحاجات ،ومن دفع للأذى والضر وجلب للمنفعة والخير والمثوبة عند الله تعالى.

وهكذا أخذ السودانيين يتحلقون حول هذه الطرق الصوفية وبمرور الوقت أزداد مؤيديها ومريدوها ووجدوا فيها ضالتهم المنشودة .وحسب هللسون أنه يصح القول بان كل مسلم سوداني – يكاد يكون منضوياً تحت طريقة صوفية ، يتطلع إلى زعيمها في المسائل الروحية والأخلاقية ، ولهذا  كان تأثيرها عظيماً ولقد كان انتشار الطرق الصوفية في السودان أوسع منه في أي مكان آخر ، فقد كان الوتر الأفريقي في العقلية السودانية يستجيب للصوفية بأذكارها وأناشيدها وجوها المسحور وقد ظلت الصوفية تحكم البلاد وتوجه أقدارها منذ القرن الخامس عشر الميلادي وحتي سنوات ما قبل الإستغلال وفي هذا السياق يقول د. أحمد شلبي :  تزدهر الطرق الصوفية وتنمو معها حلقات الذكر أو ما يسمى بالحضرة في البيئات البسيطة حيث يوجد فراغ روحي ، وحيث لا تملا الأعمال أوقات الناس ، في مثل الدراويش . فمن الطبيعي أن تزدهر الطرق وتنمو معها حلقات الذكر أو يسمى بالحضرة في البيئات يوجد الدراويش . فمن الطبيعي أن تزدهر الطرق الصوفية في أفريقيا حيث بساطة الحياة وفراغ الوقت ، وحيث أفاقت القارة من الوثنية وأخذت تتطلع إلى ما يملاْ فراغها الروحي فوجد الناس في التجمع حول الشيخ وفي الانضمام الى حلقات الذكر ما يشبع هذا الظمأ ويسد هذه الحاجة  .

    وعلى الصعيد الاجتماعي فقد كان لمشايخ الصوفية في السودان القدرة على تسكين الخواطر وبث الطمأنينة في نفوس الناس وقضاء مصالحهم وزجرهم عما يلحق بالفرد والجماعة .

ومن الأمثلة على ذلك ما قام به الشيخ الحسن نجل محمد عثمان الميرغي في عام 1865م في عهد الحكمدار موسى باشا حمدي ( 1863- 1865)م حين تمرد الجهادية السود في كسلا تمرداً أدى إلى سفك الدماء وظل متأججاً لعدة شهور احتجاج على سوء معاملة القواد وتأخر المرتبات . وقد نجح السيد الحسن في تهدئة الخواطر واستسلم الجنود وعادوا إلى ثكناتهم .

      ولا يمكن للمرء أن ينكر الأثر الثقافي الديني الذي تركته الصوفية على تفكير الرجل السوداني حيث مرتعاً خصباً لنشر أفكارها وتقاليدها . لقد جاءت الصوفية إلى السودان ولم يكن السودانيون في ذلك الوقت كسائر سكان المنطقة المجاورة يهتمون بمسألة التفكير العلمي أو المنطق الفلسفي . وإنما كان عهد تقليد قرره السابقون . وفي نفس الوقت كانوا تواقين لمعرفة شيء عن دينهم . ولذلك كانت كلمات الفقهاء والصوفية تلقي أذاناً صاغية . وكان على الناس أن يتقبلوا تعاليم الصوفية الثقافية واتى كانت ممزوجة بالخرافات ، اعتقادا منهم أنهم فئة مخلصة وصالحة لا يأتون منكراً .

وكان للطرق الصوفية دور كبير في إضعاف روح العصبية والولاء القبلي التى غلبت على المجتمع ، وذلك بتشجيع الإخاء والتعاون بين مريدي الطريقة الواحدة الذين كثيراً من قبيلة أو شعب فقد جاء الناس من كل جنبات السودان إلى زوايا الطرق الصوفية للاتصال بالشيوخ والاستماع إليهم وتلقي الطرق عنهم فهذا أحد الذين دخلوا على الشيخ عمار الصوفي يصف مارآه فيقول : أنه جد زاوية الشيخ محاطه بالدواب التى حملت الناس من جهات بعيدة ووجد عند مدخل الزاوية نعال الفونج والعرب متراصة .

ولما دخل الزاوية وجد أن الناس حلقات منهم من يتحدث بتجارة الغرب ومنهم من يتحدث بتجارة الغرب ومنهم من يتحدث بتجارة الصعيد . ومن تلك الزواية كانت تتسع لكل القبائل والأجناس حين يلتقون سوياً تحت لواء الطريقة شملهم وتوحد بين أذواقهم ومشاربهم بالرغم من الاختلاف في اللهجات ، كما أنها أصبحت ملتقي التجار من كافة إنحاء السودان .

       كما كانت للصوفية بأفريقيا عامة جوانب نجاح واسعة فقد انتقل التحل إلى الإسلام على يد الطرق الصوفية من حالات فردية إلي حالات جماعية ، وذلك لأن الطرق الصوفية لم ترتبط بالخطوط التجارية والمسالك المعروفة والمدن الكبيرة ، بل اندفعت إلى الناس في القرى والنجوع هنا وهناك وهي مآثر لا تنافسها سواها في مجالها .

أما عن السلبيات الإسلام  الشعبي فيكتب محمد المكي إبراهيم قائلاً : كان تيار الثقافة الفقهية في السودان من الضعف بحيث لم يستطع الصمود أمام بدع الصوفية أمام بدع الصوفية وغيباتها فانتشرت بلا مقاومة في ميدان مفتوح وأرض ممهده . وأيا كان الأمر فقد أفلحت خمسة قرون من التصوف في طبع الفكر السوداني بطابع غير علمي مازلنا نجد رواسبه في أكثر من مجال . فهو المسئول عن قلة احتفال الفكري السوداني بالبحث العلمي ، وهو المسئول عن ظاهرة قصر النفس الكتابي والخطابي لدى أجيال السودانيين ، وهو المسئول عن السذاجة العاطفية التى تتجلي في ضعف الأداة المنطقية والميل إلى تقرير الإيمان بالرأي بدلاً من الإقناع به . كما أنه المسئول أيضاً عن معظم مظاهر الحياة الأخلاقية – كالقناعة والزهد والعزوف عن طيبات الدنيا . ولقد خلق التأثير الصوفي لدى الفكر السوداني استعداداً رومانيتكياً وعاطفياً لم يتخلص منه حتى اللحظة سوى قليل من المفكرين السودانيين بالذات الذين تلقوا دراسات غربية المصادر .

أما التعليم الديني فقد كان أمراً لازماً للمسلم في كل المجتمعات الإسلامية إذ يتعين علي المسلم حفظ القرآن أو جزء منه الأمر الذي يفرض عليه معرفة القراءة والكتابة لغرض تقوية العقيدة . وقد كانت الحاجة ملحة ليهتم ملوك الفونج بنشر الفكر الإسلامي والتشريع الإسلامي ، لأن المسلمين في بلاد السودان كانوا يجهلون أمور دينهم حسب ما وصفهم كاتب الشونة – لأنهم يتزوجون المرأة قبل إكمال عدتها من زوجها السابق .

      وكان التعليم الذي شهدته البلاد في تلك الفترة من تاريخها علي غرار التعليم في مصر وشمال أفريقيا والحجاز ، وقد انتقلت الوحدات التعليمية إلي مساجد والخلاوي . وكانت المساجد تتخذ مراكز للتدريس في العالم الإسلامي جمعية زيادة على ماكنت تؤدية بطيعة الحال كمحل للصلاة والعبادة . ولما زاد عدد المتعلمين علي مر الزمن وعظم الإقبال علي التعليم أنشئت المدارس لتستوعب طلاب العلم وأصبحت هي الوحدات والمؤسسات التعليمية وأصبحت المسجد مكاناً للصلاة فحسب بيد أن هذا التطور في إنشاء المدارس وقيامها كوحدات تعليمية فب بعض البلاد الإسلامية لم يجد سبيلها للسودان إذ ظلت المساجد في دنقلا ونوري والدامر والحلفاية وتوتي مثلاً أمكنة للدراسة والعبادة معاً .

وكان من أشهر مراكز العلم بالبلاد آنذاك مدرسة سوار الدهب في دنقلا ومساجد الدامر التي قال عنها بيركهادت بأنها بلد ذو صيت ذائع في هذه الأقطار ،وفي بلدة مدارس يؤمها الطلاب من دار فور وسنار وكردفان وغيرها من أنحاء السودان . وكان فقهاؤها يعلمونهم تلاوة القرآن والتجويد وشملت الدراسة علوم القرآن والفقه ومحضرات في التفسير والتوحيد حتى ذهب البعض إلى القول بأنها كانت أقرب ما تكون إلي جامعة |إسلامية وكانت بربر أيضاً مركزاً للتعليم في السودان إذ كانت تجارياً هاماً في طريق القوافل الغادية والرائحة إلي البحر الأحمر وأواسط السودان وكان أول ممن أنشأ مدرسة للتعليم في بربر هو الشيخ ممدوح المصري الذي قدم من مصر وكانت هذه المدرسة ذات فائدة قصوى من قبيلتي الرباطاب  والمناصير وجنوب بربر

وقد اشتهرت مدارس شندي بتدريس الفقه والتصوف والعقائد . وهناك أيضاً مدارس الحلفاية حيث أن مسجد أسرة ود وضيف الله .وغيرة من المساجد وضعت الأساس لنهضة علمية دينية . أما كرد فان ودار فور ومنطقة البحر الأحمر ، فيبدو أنها كانت لها مدارسها الخاصة والتي لم تكن كثيرة أو ذات أهمية كالخلاوي الأخرى في شمال ووسط البلاد .

        وقد برزت الخلوة كمؤسسة تعليمية في السودان وهي في الأصل مكان للعباد أي المكان الذي يختلي فيه العالم ليتعبد ولكنها في السودان صارت مطابقة لمكان التدريس ، ومن هنا نشأت العلاقة بين التصوف والتعليم . ومن الخلط للدلالة على معهد التعليم . ولكن الخلوة اشتهرت في العالم الإسلامي بأنها مكان للتعبدي إليه وصار دخول الخلوات أمراً شائعاً بين الأولياء والفقهاء . وقد بدأت الخلوة كمعهد لمعالجة فروع الثقافة الإسلامية ، ولكنها بالتدريج تخصصت في تدريس القرآن . وكانت القراءة والكتابة بمثابة الوسيلة لتلك الغاية هذا فضلاً عن دورها الاجتماعي فقد كانت الخلوة مكان للضيافة ، وداراً للشكوى ، وملجأ للفارين من سطوة السلاطين وعقوبات القتل .

      أما عن نصيب المرأة السودانية من التعليم فالشاهد أن مؤلف الطبقات لم يترجم لأي امرأة ضمن الذين ترجم لهم العلماء والشعراء والصالحين . وليس هذا دليلاً على أن المرأة السودانية لم تساهم بأي بنصيب في حياة البلاد وكلا فالمرأة السودانية ساهمت بنصيب – ولو محدود جداً – في العلم – والتعليم .

ويبدو أن ود ضيف الله لم يجد من أثر للمرأة السودانية ونصيبها في التعليم لأسباب أهمها أن كان مركز المرأة الاجتماعي كان ولا شك من دون مركز الرجل – كما هو الحال في أغلب البلاد العربية آنذاك – فنصيبها إذن قليل.

ومنها أنه لم يكن منهن من برزن ووصلن إلي مستوي الرجال مما يستحق تخليد الذكرى. غير أننا نعثر في الطبقات علي بعض الحالات الفردية لنساء أخذن حظهن من العلم والمعرفة.وعلي سبيل المثال فاطمة بنت جابر وهي أُخت أولاد جابر التي اشتهرت بالعلم والصلاح . وكانت تدرس القرآن بمسجد أخوتها بجزيرة ترنج بأرض الشايقية .

ومن النساء الشهيرات أيضاً عائشة بنت القدال التي كانت تدرس القرآن في جزيرة توتي . وممن تعلم عندها الشيخ خوجلي بن عبد الرحمن صاحب القبة المشهورة في حلة خوجلي بالخرطوم بحري .

        وكان التعليم في ذلك العهد في جملته مجانا ،وذلك أنه كانت المساجد وغيرها من دور العلم أحباس منت الأوقاف . كما كان الفقهاء والأولياء معفيين من الضرائب أكراماً وتشجيعاً لهم علي نشر العلم والمعرفة والثقافة .كما كان ملوك الفونج وشيوخ البلاد يساهمون من آن لآخر في إنشاء المساجد والأنفاق عليها.

وهناك شخصيتان مهمتان كان لهما اكبر الأثر في تطور الحياة الدينية في السودان . أولاهما شخصية الشيخ إبراهيم بن جابر البولادي المصري الأصل الذي كون مدرسة اتجهت نحو العلوم الظاهرية ،فعلمت علوم الشريعة الإسلامية والفقه ،وأخرجت الفقهاء ورجال الفتوى .والشخصية الثانية هي الشيخ تاج الدين البهاري الذي أتجه بمدرسته تجاه الحياة الباطنية والنظم الصوفية .فادخل إلي السودان طريقة الشيخ عبد القادر الجيلاني * سنة 1545م * .وأشتد النزاع أحيانا بين المدرستين .وعلي الرغم من أن علماء الشريعة كانوا يعاملون بكل تجله واحترام فان التأثير الأكبر في المجتمع السوداني – كما أسلفنا- كان للصوفية لشدة ارتباط الشيخ بمريديه وارتباطهم به وهو حي وبضريحه وخليفته بعد موته على أن هنالك طبقة من العلماء ورجال الدين أخذت من التصوف نصيباً كبيرًا فنالت الحسنيين وكان تاثيراً واسعا في المجتمع السوداني .

         لقد خرجت الثقافة السنارية من المؤسسات الشعبية من خلاوي القرآن وحلقات العلم والطرق الصوفية والأغاني ،فقد أخذت فنونها الشعبية بعض إلهامها من قصص البطولة والذود عن القبيلة أو العائلة ومن إغاثة الملهوف والجائع وخاصة في أغاني الدلوكة حيث نجد أغاني العبدلاب التي تقص هذه البطولات علي ضفاف النيل الأزرق بين أربجي القديمة وحلفاية الملوك ولكل منطقة أغنيها التي تحكي قصص بطولات رجالها لتكون حافزاً للشباب يفتقدون آثار هؤلاء الرجال .وأخيرا كانت القبيلة هي المجتمع الصغير الذي تدور حوله الوطنية عن حياته والتضحية في شأنه .

       وبالرغم من أن دولة الفونج الإسلامية  ولغتها العربية فقد ورث العرب الوافدين تقاليد وطقوس كان معمولا بها في السودان من قبل ولم يتمكن الإسلام من التغلب تماما علي الممارسات الدينية والاجتماعية القديمة بين عامة الناس .إذ ظلت تلك الممارسات الفعلية لغالبية المسلمين غير متأثرة نسبياً بالبنيات الفكرية للعلماء ،ولا بتأملات مثقفي الصوفية .لقد كانت الممارسات الدينية في البلاط السناري هي من تأثير الزواج بين الوافد الجديد (الإسلام ) والثقافة المحلية وفي ذلك يقول بروفسير شبيكة :- إن طقوس التولية بتفاصيلها العديدة للملك وللمناجل والأرباب والجلوس علي الككر (كرسي صغير من الخشب) والطاقية أم قرون ،كلها عرفت في هذه البلاد في الحضارات التي سبقت دخول لعرب للسودان وكثير من هذه العادات والتقاليد تتعارض مع عادات وتقاليد العرب .والغريبة في الأمر أن هذه الطقوس والتقاليد من التبعية وتعظيم الرئيس ،امتدت إلي الزعامات الدينية حيث أصبح شيخ الطريقة أو الوالي يدخل علية تابعه حاسر الرأس حافي القدمين متمنطقا بثوبه مقبلا يديه وربا رجليه ،ولا يرفع بصره نحوه ولا يرتفع صوته في حضرته .والعادات والطقوس التي ما زالت جارية في مناسبات الزواج والختان والولادة والموت طبعاً قديم ورثناها من سكان البلاد الأصليين السابقين لدخول العرب في الإسلام .وفي هذا الصدد يقول بير كهاردت:- ولم يطل مكثي ببربر زمناً يتيح لي أن أشاهد عادات القوم في الأفراح والختان وما إليها ولست أشك في أنها تخالف العادات الإسلامية الأصلية كما نص عليها الشرع .والشاهد أن هنالك طائفة من الممارسات الشائعة ألبست لباساً إسلام .فأصبحت المسبحة والتعاويذ والأشجار المقدسة وأشياء كثيرة أخرى متداولة في الإسلام الشعبي .ولعل أهم مفهوم دخل الإسلام بهذا الطريق هو الإعتقاد في الأولي .وهذه المهام يؤديها الولي في الحياة الدينية ،فهو يغيث المكروب ،ويعالج المريض ، ويمنح الأطفال للعاقر ، والطعام للجائع،والبركة لكل من يزور قبره ويدعو الله باسمه.

        وفي شرقنا العربي عامة مازالت رؤى الثقافة البدائية تسيطر عليه في أنظمة حياة الناس .ووصل من هذا لسوداننا الكثير ،وذلك إلي جانب مانبع من أصل شعبه من عادات وطقوس وتقليد تصاحب مناشط حياة أهله.

    ولا يستوقفني علي الدوام من ذلك شئ إلا التفكير الخرافي في تفسير الظواهر الطبيعية ،تفسير مغرق في العقوبة وبعيد عن الحقائق العلمية .

   ومن الآفات الاجتماعية التي كانت فاشية في المجتمع آنذاك تعاطي المسكرات والاستخدام التقليدي للجواري وهو إطلاق الفواحش والتكسب من ورائهن .ويؤكد ذلك ما لاحظه بيركهاردت عند زيارته لبلدة الدامر:- وادهشني أن أكتشف عددا كبيرا من مشارب البوظة وبيوت اللهو منبثة في أرجاء المدنية برغم تزمت الفقهاء وصرامتهم.

ولم تكن الحالة التي كان عليها المجتمع السوداني ،من كمعتقدات وتقاليد وطقوس وما الي ذلك وليدة الهجرات العربية بل عريقة في القدم توارثها القوم من آبائهم وأجداهم من أقدم العصور .

   وبهذا تكونت ركائز مجتمعنا الحالي في عهد الفونج حيث تفاعلت الطقوس والتقاليد القديمة مع مؤثرات النعرة القبلية والدين الإسلامي مع تغلب ناحية الطرق الصوفية عليه. وقد أدي التحول الاجتماعي والثقافي والديني والذي أستمر بضعة قرون بالبلاد إلي خلق نوع من الترابط والتماسك بين قبائل السودان وشعوبه وممالكه المختلفة ،كما أسهم في بذر مقومات وحدة وطنية وثقافية وبداية لبلورة القومية السودانية وهي تدخل في مرحلة الوحدة السياسية .وبهذا التطور صارت البلاد امتدادا للعلم الإسلامي ولكنها تتميز عن سواها من دون دول المنطقة وتختلف عنها في بعض الخصائص الاجتماعية والثقافية .

      بيد أن الثقافة الإسلامية لم يقد لها الوصول إلي جنوب السودان لتؤثر عليه ، إذ ظلت الظرف المناخية لا تلئم العرب أو حيواناتهم .كما وقفت السدود حائل أمام العرب .وفضلاً عن ذلك فقد ارتبطت الثقافة الإسلامية بأذهان الجنوبيين بتجار الرقيق ،، ومن ثم وجدت من الأعراض والمقاومة ما لم يسمح لها بالانتشار .وينطبق ذلك علي ماحدث بمنطقة النوبة بكر دفان حيث أضطر الأهالي للاحتماء بالجبال والكهوف من غارات تجار الرقيق ،ولم تجد الثقافة العربية والحال هذه سبيلاً إلي أذهانهم ووجدانهم .

    والشاهد أن تلك الثقافة الدينية التي استكملت عدتها في عصر الفونج وتركزت في المجتمع السوداني مدة تزيد علي القرنين ،تزال تعمل عملها في المجتمع السوداني .  

 المصادر :

 أ/ الرسائل العلمية غير المنثورة :-

1.محمد الأمين سعيد :- عصري عباس وسعيد في السودان (1848م-1863م) رسالة دكتورة – جامعة الخرطوم -1976م .

ب/ المراجع العربية :-

1.احمد شلبي :- موسوعة التاريخ الإسلامي – الجزء السادس, مكتبة النهضة المصرية – القاهرة – 1998م .

2.الحاج احمد بن علي :- مخطوطة كابت شونة , دار إحصاء الكتب العربية (القاهرة 1961م) .

3.الشاطر بصيلي عبد الجليل :- معالم تاريخ السودان وادي النيل في القرن التاسع عشر – القاهرة – 1955م .

4.ج.ل.بوركهاردت :- رحلات في بلاد النوبة(1784م-1817م)ترجمة فؤاد اندراوس ,مطبعة المعرفة ,(القاهرة1959م)

5.حمدنا الله مصطفى :- التطورات الاقتصادية والاجتماعية في السودان(1841م-1881م)القاهرة 1985م .

6.د.جون أوبرت فول :- تاريخ الطريقة الختمية في السودان , ترجمة محمد سعيد القدال , مركز الدراسات السودانية , القاهرة – 202م .

7.سليمان كشه :- سوق الذكريات , الجزء الأول (الخرطوم بدون تاريخ) .

8.عبد الرحمن بن خلدون :- المقدمة , دار البلد . (الخرطوم بدون تاريخ) .

9.عبد العزيز أمين عبد المجيد :- التربية في السودان , الجزء الثاني , المطبعة الامبرية , القاهرة-1949م .

10.عبد المجيد عابدين :- تاريخ الثقافة العربية في السودان ,(دار الثقافة بيروت 1967م) .

11.محمد المكي إبراهيم :- الفكر السوداني – أصوله وتطوره,(الخرطوم 1989م) .

12.محمد النور ضيف الله :- الطبقات , تحقيق يوسف فضل (دار جامعة الخرطوم للنشر) .

13.محمد عمر بشير :- تطور التعليم في السودان(1898م-1956م)ترجمة هنري رياض وآخرون(دار الثقافة بيروت (1970م) .

14. محمد محمد علي :- الشعر السوداني في المعارك السياسية(1821م-1924م)-دار البلد الخرطوم 1999م .

15.مدثر عبد الرحيم :- فكرة الوحدة الوطنية , في العجب الطريفي , دراسات في الوحدة الوطنية في السودان –مجلس دراسات الحكم الإقليمي ,(جامعة الخرطوم1988م) .

16.مكي شبيكة :- مملكة الفونج الإسلامية , معهد الدراسات العربية والإسلامية – جامعة الدول العربية , القاهرة 1963م .

17.مكي شبيكة :- السودان عبر القرون(دار الجيل بيروت1991م) .

18.نسيم مقار :- الأسس التاريخية للتكامل الاقتصادي بين مصر والسودان , الهيئة المصرية للكتاب , (القاهرة1985م) .

19.نعوم شقير :- جغرافية وتاريخ السودان , (دار الثقافة بيروت 1967م) .

20.نيقولا تيماشيف :- نظرية علم الاجتماع – طبيعتها وتطورها –ترجمة عاطف غيث وآخرون , الاسكندرية1976م .

21.هدى مبارك ميرغني :- مدخل لدراسة الثقافة السودانية , مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية (جامعة أم درمان الاهلية1998م) .

22.يحي إبراهيم :- تاريخ التعليم الديني في السودان , دار الجيل(بيروت1987م) .

23.يوسف فضل :- دراسات في تاريخ السودان ,(دار جامعة الخرطوم للنشر 1989م) .

ج/المراجع الإفرنجية :-

1.David A. Economics and Trade, in Hamilton, the Anglo Egyptian Sudan from with (london1935) .

2.Gray,Richand,AHistory of the southern Sudan, (1839-1889).

3.Hillelson,S,Religion in the Sudan in Hamilton, L.A,op.cit.

4.MachMichael,Harold,Historical Back ground, in Hamilton,L.A op.cit .

5.Trimingham,Islam in the Sudan,(london1965) .

د/دوريات عربية :-

عوض السعيد الكر سني :- التجارة الخارجية لمملكة الفونج – مجلة الثقافة السودانية – السنة الخامسة – العدد التاسع عشر (الخرطوم 1981م) .

 

 

 

 

د. عثمان السيد محجوب

 

:: عودة إلي الرئيسية ::